Numan Albarbari نعمان البربري

متحف الأيام المفقودة 88

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ

الفَصْلُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ — البَدَوِيُّ


١ — بَابٌ مُوَارَبٌ

«الذَّاكِرَةُ تَسِيرُ مَعَ الإِنْسَانِ — لَا تَنْتَظِرُهُ فِي المَكَانِ»
لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ مُغْلَقَةً تَمَاماً.

الباَبُ كَانَ مُوَارَباً — مَفْتُوحاً بِمِقْدَارِ مَا يَكْفِي لِدُخُولِ هَوَاءٍ خَفِيفٍ يَحْمِلُ رَائِحَةً لَا تُخْطِئُهَا حِينَ تَعْرِفُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي حَيَاتِكَ — رَائِحَةُ الصَّحْرَاءِ. ذَلِكَ الخَلِيطُ الغَرِيبُ مِنَ الجَفَافِ وَالمِلْحِ وَالحَجَرِ السَّاخِنِ الَّذِي يَبْرُدُ ببُطْءٍ بَعْدَ المَغِيبِ، كَأَنَّ الأَرْضَ تَتَنَهَّدُ حِينَ يَغِيبُ الشَّمْسُ وَتَتْرُكُ حَرَارَةَ اليَوْمِ تَنْزَلِقُ مِنْهَا ببُطْءٍ إِلَى الظَّلَامِ.

لَمْ تَكُنْ فِي الغُرْفَةِ طَاوِلَةٌ وَلَا كَرَاسِيٌّ.
عَلَى الأَرْضِ — عَلَى سَجَّادَةٍ بَسِيطَةٍ ذَاتِ نَقُوشٍ هَنْدَسِيَّةٍ أَحْمَرَ وَأَزْرَقَ — جَلَسَ رَجُلٌ فِي الخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ، مُلْتَحِفٌ بِعَبَاءَتِهِ بِطَرِيقَةٍ تُوحِي أَنَّ العَبَاءَةَ لَيْسَتْ ثَوْباً بَلْ جِلْداً ثَانِياً. أَمَامَهُ فِنْجَانُ قَهْوَةٍ مُرَّةٍ وَإِبْرِيقٌ صَغِيرٌ تَتَصَاعَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الهَيْلِ. عَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَانِ — لَكِنَّهُمَا تَنْظُرَانِ إِلَى شَيْءٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، كَمَنْ يَقْرَأُ نَصَّاً مَكْتُوباً فِي الهَوَاءِ بِحِبْرٍ لَا تَرَاهُ إِلَّا عَيْنٌ تَعَلَّمَتْ نَوْعاً خَاصَّاً مِنَ الرُّؤْيَةِ.
حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ لَمْ يَتَحَرَّكِ الرَّجُلُ. لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُبَادِرْ بِالنَّظَرِ. قَالَ فَقَطْ — بِصَوْتٍ جَاءَ مِنْ عُمْقٍ مَا، كَالصَّدَى الَّذِي يَأْتِيكَ مِنَ الجَبَلِ لَا مِنَ الإِنْسَانِ:
— اجْلِسْ. القَهْوَةُ عَلَى النَّارِ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى طَرَفِ السَّجَّادَةِ. قَبِلَ الفِنْجَانَ الَّذِي مُدَّ إِلَيْهِ بِيَدٍ ذَاتِ أَصَابِعَ طَوِيلَةٍ تَبَيَّنَ عَلَيْهَا خُطُوطُ الشَّمْسِ وَالرِّيحِ.
— شُكْراً.
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ — نَظْرَةً فِيهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ المَزَاحَ الهَادِئَ:
— القَهْوَةُ لَا تُشْكَرُ. تُشْرَبُ.


٢ — مَنْ يَسْكُنُ المَسَافَةَ

وَضَعَ سَامِرٌ الفِنْجَانَ عَلَى رَاحَةِ يَدِهِ وَأَدَارَهُ ببُطْءٍ — مُقَلِّداً دُونَ أَنْ يَدْرِيَ حَرَكَةَ البَدَوِيِّ نَفْسِهَا — ثُمَّ سَأَلَ:
— كَمْ سَنَةً وَأَنْتَ فِي التَّرْحَالِ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِنَظْرَةٍ تَقُولُ إِنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ خَاطِئٌ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَلَيْهِ:
— تَرْحَالٌ؟ أَنَا لَا أَتَحَرَّكُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ. أَنَا أَسْكُنُ المَسَافَةَ. التَّرْحَالُ لِمَنْ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ. أَنَا أَعْرِفُ أَنَّ المَكَانَ لَيْسَ مَا يُثَبِّتُنِي.
— وَمَا الَّذِي يُثَبِّتُكَ؟
— النُّجُومُ. الكَلَامُ. القَهْوَةُ. هَذِهِ الأَشْيَاءُ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ المَكَانِ.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذِهِ الإِجَابَةَ.
النُّجُومُ، الكَلَامُ، القَهْوَةُ. ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ تَبْدُو لِلوَهْلَةِ الأُولَى مُتَبَايِنَةً — كَوَاكِبُ وَلُغَةٌ وَمَشْرُوبٌ. لَكِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ عَمِيقٍ: كُلُّهَا طُرُقٌ لِلاتِّصَالِ — بِالكَوْنِ، وَبِالآخَرِ، وَبِالنَّفْسِ. النَّجْمُ يَصِلُكَ بِالسَّمَاءِ. الكَلَامُ يَصِلُكَ بِمَنْ حَوْلَكَ. القَهْوَةُ — هَذِهِ القَهْوَةُ المُرَّةُ تَحْدِيداً — تَصِلُكَ بِكُلِّ مَنْ جَلَسَ قَبْلَكَ عَلَى سَجَّادَةٍ مِثْلِ هَذِهِ وَشَرِبَ مِنْ إِبْرِيقٍ مِثْلِ هَذَا.
الإِنْسَانُ المُثَبَّتُ بِالمَكَانِ يَضِيعُ حِينَ يُغَادِرُهُ. الإِنْسَانُ المُثَبَّتُ بِالنُّجُومِ وَالكَلَامِ وَالقَهْوَةِ يَحْمِلُ ثَبَاتَهُ مَعَهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ.


٣ — ذَاكِرَةُ السَّمَاءِ

— النُّجُومُ — بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ؟
— بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ تَمَاماً. أَعْرِفُ النُّجُومَ كَمَا تَعْرِفُ أَنْتَ شَوَارِعَ مَدِينَتِكَ. سُهَيْلٌ يَظْهَرُ فِي جِهَةٍ بِعَيْنِهَا — يَعْنِي كَذَا. الجَدْيُ يَعْنِي كَذَا. قَبْلَ الأَجْهِزَةِ — بَلْ حَتَّى مَعَ الأَجْهِزَةِ — النُّجُومُ هِيَ ذَاكِرَةُ السَّمَاءِ الَّتِي لَا تُخْطِئُ.
— ذَاكِرَةُ السَّمَاءِ — هَذِهِ صُورَةٌ جَمِيلَةٌ.
— لَيْسَتْ صُورَةً. حَقِيقَةٌ. النَّجْمُ الَّذِي أَرَاهُ الآنَ ضَوْؤُهُ انْطَلَقَ قَبْلَ مِئَاتِ السِّنِينَ. أَنَا أَقْرَأُ ذَاكِرَةَ الكَوْنِ كُلَّ لَيْلَةٍ — وَأَتَّجِهُ بِهَا.
هُنَا تَوَقَّفَ سَامِرٌ حَقَّاً.
مَا قَالَهُ البَدَوِيُّ لَيْسَ شِعْراً — إِنَّهُ فِيزْيَاءٌ. الضَّوْءُ الَّذِي يُحَدِّدُ بِهِ البَدَوِيُّ اتِّجَاهَهُ فِي الصَّحْرَاءِ انْطَلَقَ مِنْ ذَلِكَ النَّجْمِ قَبْلَ قُرُونٍ — قَبْلَ أَنْ يُولَدَ هُوَ، وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ. مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ البَدَوِيَّ حِينَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَرَى الحَاضِرَ — يَرَى ذَاكِرَةَ الكَوْنِ، مَاضِيَهُ المُضِيءَ الَّذِي لَا يَزَالُ يُسَدِّدُ خُطَاهُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الزَّمَنِ.
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ دَائِماً شَيْئاً تَحْمِلُهُ فِي رَأْسِكَ. أَحْيَاناً هِيَ ضَوْءٌ انْطَلَقَ قَبْلَ مِئَةِ سَنَةٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ إِلَّا الآنَ — وَمَعَ ذَلِكَ يَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقِكَ.


٤ — الشَّاعِرُ الَّذِي يَحْمِلُ القَبِيلَةَ

— وَالذَّاكِرَةُ الإِنْسَانِيَّةُ — كَيْفَ تَحْفَظُهَا وَأَنْتَ مُتَنَقِّلٌ؟
رَشَفَ البَدَوِيُّ قَهْوَتَهُ ببُطْءٍ — كَمَنْ لَا يُجِيبُ عَلَى سُؤَالٍ بَلْ يَسْتَحْضِرُ ذَاكِرَةً:
— فِي الأَجْدَادِ قِيلَ: الجَمَلُ يَحْمِلُ المَتَاعَ وَالشَّاعِرُ يَحْمِلُ القَبِيلَةَ. الشَّاعِرُ فِي ثَقَافَتِنَا لَمْ يَكُنْ تَرَفاً — كَانَ ذَاكِرَةً مُتَحَرِّكَةً. يَحْفَظُ أَنْسَابَ القَبِيلَةِ وَأَيَّامَهَا وَفَخْرَهَا وَعَارَهَا. كُلُّ شَيْءٍ مُهِمٍّ يُحْفَرُ فِي الشِّعْرِ حَتَّى لَا يُنْسَى.
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ — وَتَذَكَّرَ فِي لَحْظَةٍ مَا قَرَأَهُ مَرَّةً عَنِ الثَّقَافَاتِ الشِّفَهِيَّةِ الكُبْرَى فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ.
اليُونَانُ حَفِظُوا إِلِيَادَةَ هُومِيرُوس شِعْراً — عَشَرَاتُ الآلَافِ مِنَ الأَبْيَاتِ — لِأَنَّ الوَزْنَ وَالقَافِيَةَ يَجْعَلَانِ الكَلَامَ يَتَشَبَّثُ بِالذَّاكِرَةِ كَمَا تَتَشَبَّثُ الخُطَّافَاتُ بِالقُمَاشِ. الهُنُودُ حَفِظُوا الفِيدَا أَلْفاً وَخَمْسَمِئَةِ عَامٍ بِالتَّنَاقُلِ الشِّفَهِيِّ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ. وَالعَرَبُ — قَبْلَ الإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ — حَفِظُوا فِي الشِّعْرِ مَا لَمْ تَسَعْهُ الصُّحُفُ.
الشِّعْرُ لَيْسَ زِينَةً — إِنَّهُ تِقْنِيَّةٌ لِحِفْظِ المَعْلُومَاتِ فِي الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ، اخْتَرَعَهَا الإِنْسَانُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَرِعَ الوَرَقَ.
— وَأَنْتَ — هَلْ تَحْمِلُ شَيْئاً بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟
— أَحْفَظُ مَا عَلَّمَنِي إِيَّاهُ أَبِي. وَمَا عَلَّمَهُ إِيَّاهُ جَدِّي. سِلْسِلَةٌ شِفَهِيَّةٌ مِنْ مَعْرِفَةِ الصَّحْرَاءِ — الآبَارُ القَدِيمَةُ وَأَمَاكِنُهَا. طَرِيقَةُ قِرَاءَةِ الرِّيَاحِ. أَسْمَاءُ النُّجُومِ وَقِصَصُهَا. هَذِهِ الأَشْيَاءُ لَيْسَتْ فِي كِتَابٍ — فِي الصَّدْرِ.
«فِي الصَّدْرِ» — وَقَفَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ فِي رَأْسِ سَامِرٍ كَمَسْمَارٍ يَدُقُّهُ شَخْصٌ بِثِقَةٍ فِي خَشَبٍ صَلْبٍ. فِي الصَّدْرِ — لَا فِي الحَاسُوبِ، لَا فِي الكِتَابِ، لَا فِي الخَرِيطَةِ.
أَيْنُ الآبَارِ فِي صَحْرَاءَ شَاسِعَةٍ؟ فِي الصَّدْرِ. كَيْفَ تَعْرِفُ الرِّيحَ تَتَغَيَّرُ؟ فِي الصَّدْرِ. مَتَى يُبَشِّرُكَ نَجْمٌ بِعَيْنِهِ بِالأَمَانِ؟ فِي الصَّدْرِ.
كُلُّ هَذِهِ المَعْرِفَةِ لَا تُوجَدُ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ فِي العَالَمِ — فَقَطْ فِي صُدُورِ رِجَالٍ مِثْلِ هَذَا، يَتَنَاقَلُونَهَا مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ بِكَلِمَةٍ مَوْزُونَةٍ وَتَجْرِبَةٍ مَعِيشَةٍ.
— وَتَخْشَى أَنْ تَنْقَطِعَ؟
— أَبْنَائِي فِي المَدِينَةِ. يَعْرِفُونَ بَعْضَ الأَشْيَاءِ لَكِنْ لَيْسَ كُلَّهَا. لَكِنَّ القَلَقَ لَا يُنْتِجُ مَطَراً. مَا أَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ هُوَ أَنْ أُبْقِيَ البَابَ مَفْتُوحاً — كَمَا البَابُ هُنَاكَ — لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ وَيَتَعَلَّمَ.
جُمْلَةٌ بَسِيطَةٌ وَثَقِيلَةٌ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ. البَابُ المُوَارَبُ — ذَلِكَ البَابُ الَّذِي لَفَتَ نَظَرَ سَامِرٍ حِينَ دَخَلَ — لَيْسَ خَطَأً وَلَا إِهْمَالاً. إِنَّهُ رَمْزٌ مُتَعَمَّدٌ — بَابٌ مَفْتُوحٌ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ. وَالمَعْرِفَةُ الَّتِي فِي الصَّدْرِ تَنْتَظِرُ مَنْ يَأْتِي وَيَسْأَلُ.


٥ — الانْتِمَاءُ لِلطَّرِيقَةِ

— وَالبَيْتُ — أَيْنَ بَيْتُكَ؟
ابْتَسَمَ البَدَوِيُّ — ابْتِسَامَةً تَقُولُ إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَأْتِيهِ دَائِماً مِنَ النَّاسِ:
— هَذَا السُّؤَالُ يَسْأَلُنِي إِيَّاهُ كُلُّ مَنْ يَجْلِسُ مَعِي. وَالجَوَابُ دَائِماً يُرْبِكُهُمْ.
— مَا الجَوَابُ؟
— بَيْتِي حَيْثُ أَنَا الآنَ. لَيْسَ لِأَنَّنِي لَا أَنْتَمِي لِمَكَانٍ — بَلْ لِأَنَّ انْتِمَائِي يَسِيرُ مَعِي. حِينَ أَنَامُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنَ الصَّحْرَاءِ، أَعْرِفُ أَنَّ جَدِّي نَامَ فِي بُقْعَةٍ مُشَابِهَةٍ مُنْذُ مِئَةِ سَنَةٍ. هَذَا الاسْتِمْرَارُ يَجْعَلُ أَيَّ مَكَانٍ بَيْتاً.
— الانْتِمَاءُ لِلنَّمَطِ لَا لِلمَكَانِ بِعَيْنِهِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ البَدَوِيُّ بِعَيْنَيْنِ تَقُولَانِ: «اقْتَرَبْتَ لَكِنَّكَ لَمْ تُصِبْ تَمَاماً»:
— الانْتِمَاءُ لِلطَّرِيقَةِ. طَرِيقَةُ إِشْعَالِ النَّارِ. طَرِيقَةُ صُنْعِ القَهْوَةِ. طَرِيقَةُ الترحيبِ بِالضَّيْفِ. طَرِيقَةُ قِرَاءَةِ السَّمَاءِ. هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ البَيْتُ. وَهِيَ لَا تَحْتَاجُ جُدْرَاناً.
الفَرْقُ بَيْنَ النَّمَطِ وَالطَّرِيقَةِ دَقِيقٌ لَكِنَّهُ عَمِيقٌ. النَّمَطُ هُوَ مَا تَفْعَلُهُ. الطَّرِيقَةُ هِيَ كَيْفَ تَفْعَلُهُ — بِأَيِّ رُوحٍ، وَأَيِّ حِكْمَةٍ، وَأَيِّ تَوَارُثٍ مِنَ المَعْنَى.
الشَّخْصُ الَّذِي يَصْنَعُ القَهْوَةَ المُرَّةَ لِأَنَّهُ اعْتَادَ طَعْمَهَا — يَتَّبِعُ نَمَطاً. الَّذِي يَصْنَعُهَا لِأَنَّ أَبَاهُ عَلَّمَهُ كَيْفَ يُقَدِّرُ المُرَّ وَيَعْرِضُهُ عَلَى ضَيْفٍ بِقَلْبٍ مُرَحِّبٍ — يَعِيشُ طَرِيقَةً. الطَّرِيقَةُ تَحْمِلُ فِيهَا تَارِيخاً كَامِلاً وَرُوحَ جِيلٍ وَرَسَالَةً مُبَثُّوثَةً فِي كُلِّ حَرَكَةٍ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَا تَحْتَاجُ جُدْرَاناً. إِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي اليَدَيْنِ اللَّتَيْنِ تَعْمَلَانِ — فِي الأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الحَرَكَةِ الَّتِي تُرَسِّخُ نَفْسَهَا فِي العَضَلَاتِ وَتُصْبِحُ ذَاكِرَةً لَا يَمْحُوهَا الرَّحِيلُ.


٦ — الوُجُودُ لَا يَحْتَاجُ القُرْبَ

— وَحِينَ تَفْقِدُ شَيْئاً فِي التَّرْحَالِ — حِينَ تَتْرُكُ مَكَاناً وَلَا تَعُودُ — كَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَ ذَلِكَ؟
وَضَعَ البَدَوِيُّ فِنْجَانَهُ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى البَابِ المُوَارَبِ كَأَنَّ الجَوَابَ يَأْتِي مِنْ هُنَاكَ:
— الصَّحْرَاءُ عَلَّمَتْنِي أَنَّ مَا تَرَكْتَهُ لَمْ يَضِعْ — هُوَ فِي مَكَانِهِ وَأَنْتَ فِي مَكَانِكَ. المُشْكِلَةُ حِينَ تُصِرُّ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ لِكَيْ يَبْقَى مَوْجُوداً. الوُجُودُ لَا يَحْتَاجُ القُرْبَ.
— الوُجُودُ لَا يَحْتَاجُ القُرْبَ.
أَعَادَهَا سَامِرٌ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَمَنْ يَكْتُبُهَا فِي الهَوَاءِ لِيَرَاهَا:
— البِئْرُ الَّتِي شَرِبْتُ مِنْهَا عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ — مَا زَالَتْ مَوْجُودَةً. لَمْ أَعُدْ إِلَيْهَا. لَكِنَّهَا مَوْجُودَةٌ وَأَنَا مَوْجُودٌ. وَبَيْنَنَا ذَاكِرَةُ المَاءِ البَارِدِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ. هَذِهِ الذَّاكِرَةُ لَا تَحْتَاجُ أَنْ أَقِفَ عِنْدَ البِئْرِ لِتَبْقَى حَقِيقِيَّةً.
تَنَفَّسَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ.
تَخَيَّلَ الصُّورَةَ: رَجُلٌ خَمْسِينِيٌّ فِي صَحْرَاءَ شَاسِعَةٍ، يَحْمِلُ فِي ذَاكِرَتِهِ بِئْراً شَرِبَ مِنْهَا قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ، لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيَرَاهَا ثَانِيَةً، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَشْعُرُ بِاحْتِيَاجٍ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا. البِئْرُ مَوْجُودَةٌ — وَالمَاءُ البَارِدُ فِي يَوْمٍ حَارٍّ مَوْجُودٌ فِي ذَاكِرَتِهِ — وَهَذَا يَكْفِيهِ.
الحَنِينُ الَّذِي يُعَذِّبُنَا مَصْدَرُهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ: أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَعَنَا لِيَبْقَى حَقِيقِيَّاً. لَكِنَّ البَدَوِيَّ يَقُولُ: الشَّرْطُ كَاذِبٌ. الشَّيْءُ مَوْجُودٌ حَيْثُ تَرَكْتَهُ. وَأَنْتَ مَوْجُودٌ حَيْثُ أَنْتَ. وَبَيْنَكُمَا ذَاكِرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا تَنْقُصُ لِأَنَّكُمَا ابْتَعَدْتُمَا.


٧ — اليَوْمُ المَفْقُودُ

— وَاليَوْمُ المَفْقُودُ فِي ذَاكِرَتِي — بِهَذَا المَنْطِقِ…
لَمْ يُكَمِّلْ سَامِرٌ الجُمْلَةَ. لَكِنَّ البَدَوِيَّ أَكْمَلَهَا — كَمَنْ كَانَ يَنْتَظِرُهَا:
— مَوْجُودٌ فِي مَكَانِهِ. أَنْتَ فِي مَكَانِكَ. وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ مَا — لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ. لَكِنَّ المَسَافَةَ لَا تُلْغِيهِ.
أَعَادَ البَدَوِيُّ مَلْءَ فِنْجَانِ سَامِرٍ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ. هَذَا أَيْضاً طَرِيقَةٌ — طَرِيقَةُ الضِّيَافَةِ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ الطَّلَبَ وَلَا تَسْأَلُ إِنَّ كُنْتَ تُرِيدُ، لِأَنَّ الإِجَابَةَ مَعْرُوفَةٌ سَلَفاً — الضَّيْفُ يُرِيدُ، وَالمُضِيفُ يُعْطِي، وَمَا بَيْنَهُمَا يَسِيرُ بِلَا كَلَامٍ.
جَلَسَ سَامِرٌ مَعَ هَذَا الفِنْجَانِ الجَدِيدِ وَمَعَ الفِكْرَةِ الجَدِيدَةِ.
اليَوْمُ المَفْقُودُ — ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي أَمْضَى أَسَابِيعَ يَبْحَثُ عَنْهُ بِقَلَقٍ يُشْبِهُ الذُّعْرَ — مَوْجُودٌ فِي مَكَانِهِ. حَدَثَ. وُجِدَ. تَرَكَ أَثَراً مَا — وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَامِرٌ اسْمَهُ بَعْدُ.
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ شَرْطَ الوُجُودِ. الوُجُودُ وُجِدَ — وَالذَّاكِرَةُ تَأْتِي بَعْدَهُ تُوَثِّقُهُ، وَلَيْسَتْ هِيَ مَا يَجْعَلُهُ حَقِيقِيَّاً.


٨ — حِينَ تَضِلُّ تَحْتَ النُّجُومِ

— سُؤَالٌ أَخِيرٌ: هَلْ مَرَرْتَ بِلَيْلَةٍ ضَلَلْتَ فِيهَا الطَّرِيقَ تَحْتَ النُّجُومِ؟
لَمْ يَرْفُضِ البَدَوِيُّ السُّؤَالَ، وَلَمْ يَتَهَرَّبْ مِنْهُ. أَخَذَهُ بِجِدِّيَّةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الاعْتِرَافَ بِلَيْلَةِ الضَّلَالِ لَيْسَ عَيْباً — بَلْ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الحِكْمَةِ الحَقِيقِيَّةِ:
— مَرَّةً. فِي شَبَابِي. عَاصِفَةٌ رَمْلِيَّةٌ غَطَّتِ النُّجُومَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ. جَلَسْتُ مَكَانِي. لَمْ أَتَحَرَّكْ. انْتَظَرْتُ. حِينَ انْكَشَفَ الغَيْمُ رَأَيْتُ سُهَيْلاً وَعَرَفْتُ أَيْنَ أَنَا.
— وَالدَّرْسُ؟
— حِينَ تَضِلُّ فِي العَتَمَةِ — لَا تَتَحَرَّكْ. اجْلِسْ. انْتَظِرِ انْكِشَافَ الغَيْمِ. النُّجُومُ لَمْ تَذْهَبْ. أَنْتَ فَقَطْ لَمْ تَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهَا مُؤَقَّتاً.
وَقَفَ سَامِرٌ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئاً — لِأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ تَقُولُ نَفْسَهَا، وَكُلُّ إِضَافَةٍ عَلَيْهَا تُفْسِدُهَا.
نَظَرَ إِلَى الفِنْجَانِ الفَارِغِ أَمَامَهُ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى البَابِ المُوَارَبِ.
مِنْ وَرَاءِ البَابِ كَانَ الهَوَاءُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ — يَحْمِلُ رَائِحَةَ الصَّحْرَاءِ تِلْكَ، رَائِحَةَ الجَفَافِ وَالمِلْحِ وَالحَجَرِ الَّذِي يَحْفَظُ حَرَارَةَ شَمْسٍ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً.
ذَاكِرَةُ الحَرَارَةِ فِي حَجَرٍ بَارِدٍ. ذَاكِرَةُ النَّجْمِ فِي ضَوْءٍ انْطَلَقَ مِنْهُ قَبْلَ قُرُونٍ. ذَاكِرَةُ البِئْرِ فِي صَدْرِ رَجُلٍ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ. ذَاكِرَةُ يَوْمٍ فِي حَيَاةِ رَجُلٍ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ مَاذَا فَعَلَ فِيهِ.
كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ. كُلُّهَا حَقِيقِيَّةٌ. الوُجُودُ لَا يَحْتَاجُ القُرْبَ.


٩ — مَا قَبْلَ الغُرْفَةِ الأَخِيرَةِ

مَشَى سَامِرٌ نَحْوَ الغُرْفَةِ مَا قَبْلَ الأَخِيرَةِ وَفِي رَأْسِهِ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ تَتَرَدَّدُ كَصَدَى فِي وَادٍ فَارِغٍ:
«النُّجُومُ لَمْ تَذْهَبْ. أَنْتَ فَقَطْ لَمْ تَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهَا مُؤَقَّتاً.»
وَأَدْرَكَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ — بِوُضُوحٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ شَعَرَ بِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ — أَنَّ البَحْثَ عَنِ اليَوْمِ المَفْقُودِ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ بَحْثاً عَنْ مَا حَدَثَ فِيهِ.
بَلْ كَانَ بَحْثاً عَنِ الدَّلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُرَى لَا يَزَالُ مَوْجُوداً. وَهَذَا الدَّلِيلُ — وَجَدَهُ الآنَ. فِي كَلَامِ رَجُلٍ جَلَسَ عَلَى سَجَّادَةٍ وَصَبَّ قَهْوَةً مُرَّةً بِلَا سُؤَالٍ وَلَا طَلَبٍ.


«الانْتِمَاءُ لَيْسَ لِلْمَكَانِ — إِنَّهُ لِلطَّرِيقَةِ. وَالذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ شَرْطَ الوُجُودِ — إِنَّهَا شَاهِدَتُهُ. وَالشَّاهِدُ قَدْ يَغِيبُ — وَالوُجُودُ يَبْقَى.»

متحف الأيام المفقودة 89